أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

318

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ والكتاب مفعول ثان ل « أوتوا » لأنه يتعدى في الأصل إلى اثنين ، فأقيم الأول مقام الفاعل وهو الواو ، وبقي الثاني منصوبا وقد تقدم أنه عند السهيلي مفعول أول و « كتاب اللّه » مفعول نبذ و « وراء » منصوب على الظرف ، وناصبه « نبذ » وهذا مثل لإهمالهم التوراة ، تقول العرب : « جعل هذا الأمر وراء ظهره ، ودبر أذنه » أي : أهمله ، قال الفرزدق : 640 - تميم بن مرّ لا تكوننّ حاجتي * بظهر فلا يعيا عليّ جوابها « 1 » والنّبذ - الطّرح - كما تقدم - وقال بعضهم « 2 » : « النبذ والطرح والإلقاء متقاربة ، إلا أن النبذ أكثر ما يقال في المبسوط والجاري مجراه ، والإلقاء فيما يعتبر فيه ملاقاة بين شيئين » ومن مجيء النبذ بمعنى الطرح قوله : 641 - إن الذين أمرتهم أن يعدلوا * نبذوا كتابك واستحلوا المحرما « 3 » وقال أبو الأسود : 642 - وخبّرني من كنت أرسلت أنّما * أخذت كتابي معرضا بشمالكا نظرت إلى عنوانه فنبذته * كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا « 4 » قوله : كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ جملة في محل نصب على الحال وصاحبها : فريق وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف ، والعامل فيها : نبذ ، والتقدير : مشبهين للجهال . ومتعلق العلم محذوف تقديره : أنه كتاب اللّه لا يداخلهم فيه شك ، والمعنى : أنهم كفروا عنادا . قوله تعالى : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ : هذه الجملة معطوفة على مجموع الجملة السابقة من قوله : وَلَمَّا جاءَهُمْ إلى آخرها . وقال أبو البقاء : « إنها معطوفة على « أشربوا » أو على « نبذ فريق » وهذا ليس بظاهر ، لأن عطفها على « نبذ » يقتضي كونها جوابا لقوله : وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ واتّباعهم لما تتلوا الشياطين ليس مترتبا على مجيء الرسول ، بل كان اتباعهم لذلك قبله ، فالأولى أن تكون معطوفة على جملة لما كما تقدم . و « ما » موصولة وعائدها محذوف ، والتقدير : تتلوه . وقيل : « ما » نافية ، وهذا غلط فاحش لا يقتضيه نظم الكلام البتة ، نقل ذلك ابن العربي « 5 » و « يتلو » في معنى ثلث ، فهو مضارع واقع موقع الماضي كقوله : 643 - وإذا مررت بقبره فاعقر به * كوم الهجان وكلّ طرف سابح وانضح جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون أخا دم وذبائح « 6 »

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 80 ) ، الأضداد ( 256 ) ، القرطبي ( 2 / 29 ) . وروايته في الديوان : تميم بن زيد لا تهوننّ حاجتي * لديك ولا يعيا على جوابها ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 325 ) . ( 3 ) البيت من شواهد القرطبي ( 2 / 29 ) . ( 4 ) انظر ديوانه ( 49 ) ، القرطبي ( 2 / 29 ) . ( 5 ) تقدمت ترجمته . ( 6 ) البيتان لزياد الأعجمي انظرهما في الأمالي للقالي ( 3 / 11 ) ، وابن الشجري ( 1 / 304 ) ، والخزانة ( 4 / 192 ) ، القرطبي ( 2 / 30 ) .